«إدي صوتك للريس».. قالها رجب «القهوجي» لأحد زبائنه وكنت واحداً منهم.. رجب كان يظن أن الاستفتاء علي «الرئيس».. ربما لأنه تعود علي ذلك، وعلي العكس من هذا الرجل كان ثمة مئات ـ رأيتهم بعيني ـ «ولم يقل لي أحد» ـ صباح الإثنين أول أمس مكدسين في أتوبيسات يمكن وصفها بالفاخرة أو علي أقل تقدير «مميزة».. كان أحدهم يخرج يده من النافذة وقد احتضنت أصابعه التي لم تزل نظيفة علماً.. يعلم جيداً أنه العلم نفسه الذي حياه كثيراً وهو يردد النشيد المحفوظ.. أيام المدرسة. كان صاحب اليد مُساقاً إلي مكان معلوم.. غير معصوب العينين.. كان يساق وغيره إلي الصناديق.. وهم ينظرون.. عبودية مختارة.
تعددت الأتوبيسات والغرض واحد.. فُسحة تنتهي إلي صندوق مليء بأوراق متشابهة.. دونت فيها إجابة واحدة.. لا أكثر: نعم للتعديلات الدستورية، التي حسب واحدة من لافتات ملأت الشوارع قد غيرت وجه الحياة السياسية في مصر، في إعلان صريح عن أن للحياة السياسية في مصر وجهاً! ربما ظن من أوحي بكتابة اللافتة أنه وجه شائخ.. والتعديلات جاءت لـ «تصليحه».. لكن أغلب الظن أنه كان يعتقد أن هذا الوجه كان في الأصل جميلاً وما زادته التعديلات إلا رونقاً وبهاءً.
المهم أن صاحبنا المُساق كان يبتسم ببلاهة ويردد وقد أخرج جزءاً من رأسه من النافذة.. الدستور.. الدستور. كان يحاول الدفاع عن نفسه في مواجهة نظراتي وآخرين في ميدان التحرير بعد أن وصلت إليه وهو الأهم في زمن قياسي من مدينة نصر.. الساعة العاشرة صباحاً.. سيارتي كانت كالسكين وكان كوبري ٦ أكتوبر زبداً خالصاً: حدث غير متوقع.. خفة الوصول التي لا تحتمل.. انشرح قلبي وتمنيت لو كانت كل أيامنا استفتاءات.. علي الأقل كان سيرتاح بالي ويهدأ من مشقة انتظار الإجابة عن سؤال يومي بائس ومخيف: «يا تري كوبري أكتوبر واقف ولا ماشي»؟!.